الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
489
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الذي ينتزع الأفكار مما تمونه به الحواس ، ويجتاز الطبيعة إلى ما وراءها ، ومهمته النقد والاستنتاج والترتيب والتعميم وتحليل محصلة حاستي البصر والسمع وسواهما ، أفلا يستحق الذين لا يشكرونه على هذه الأدوات الثلاث للمعرفة الذم واللوم ؟ ألا يكفي التدقيق في تفاصيلها دليلا على معرفة الخالق وعظيم إحسانه للعباد ؟ وتقديم ذكر الاذن والعين على العقل في الآية المذكورة له ما يسوغه . ولكن لماذا تقدم السمع على البصر ؟ يحتمل - كما يقول العلماء - أن اذن الوليد تعمل أولا ، ثم عينه ، فالعينان مغلقتان في عالم الرحم وليست لديهما أي استعداد وقابلية على مشاهدة أمواج النور ، ولذلك تبقيان هكذا بعد الولادة قليلا ، ثم تتعودان النور تدريجيا . وليست الأذنان هكذا ، حتى أن بعضهم يرى أنها قادرة على السماع حتى في الرحم ( 1 ) . فهي تسمع صوت دقات قلب الام . إن بيان المواهب الثلاث أعلاه يشكل دافعا لمعرفة واهب هذه النعم ، وهو المنعم الوحيد حقا ( مثلما يرى علماء العقائد في بعث شكر المنعم أساسا لوجوب معرفة الله عقلا ) . وتناولت الآية اللاحقة خلق الله سبحانه للإنسان من التراب ، فتقول : وهو الذي ذرأكم في الأرض ( 2 ) . وبما أنه - جل اسمه - خلقكم من الأرض ، لذلك ستعودون إليها مرة ثانية ، ثم يبعثكم : وإليه تحشرون . ولو فكرتم في خلقكم من تراب لا قيمة له ، لدلكم على خالق الوجود
--> 1 - تحدثنا عن أجهزة التعرف الثلاثة في تفسير الآية ( 78 ) من سورة النحل . 2 - " ذرأ " مشتقة من الذرء ( على وزن زرع ) . وهي في الأصل بمعنى الخلق والإيجاد والإظهار ، إلا أن كلمة ( ذرو ) وهي أيضا على وزن فعل بمعنى البعثرة . الآية الأولى من النوع الأول .